كلمة السفير باتريك سيمونيه رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى الجمهورية اليمنية، بمناسبة يوم أوروبا -- عدن، 12مايو 2026

احتفت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن بيوم أوروبا في عدن بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني ومسئولين حكوميين رفيعي المستوى والشركاء. تؤكد الفعالية التي أقيمت في اليمن لأول مرة منذ اندلاع النزاع على دعم الاتحاد للحكومة اليمنية والشعب اليمني. 

 

دولة رئيس الوزراء وزير الخارجية/ د. شائع الزنداني

معالي الوزراء في حكومة الجمهورية اليمنية

السفراء، الزملاء، السيدات والسادة

 

يشرفني ويسرني أن أقف أمامكم هذا المساء للاحتفاء بيوم الاتحاد الأوروبي في العاصمة المؤقتة لليمن، مدينة عدن.هذه هي المرة الأولى منذ بدء النزاع التي يقيم فيها الاتحاد الأوروبي حفل استقبال لإحياء يوم أوروبا مع شركائنا وأصدقائنا داخل اليمن، وهي أيضا أول مرة يُقام فيها هذا الاحتفال في مدينة عدن الجميلة. إننا نرى في ذلك رسالة دعم قوية من الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء إلى الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وإلى رئيس وزرائها د. الزنداني، وهو يمضي قدماً في عملية بالغة الصعوبة لتحقيق الاستقرار والإصلاحات.

السيدات والسادة،

يواصل الاتحاد الأوروبي تقديم دعمه الكامل لجهود السلام في اليمن، خاصة تلك التي يقودها المبعوث الخاص للأمم المتحدة، هانس غروندبرغ ومكتبه. نؤمن إيماناً راسخاً بأن الحل المستدام الوحيد للنزاع لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تسوية سياسية تتفاوض عليها الأطراف المعنية.وفي هذا السياق، نتواصل مع الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين سعياً إلى خفض التصعيد والتوصل إلى تدابير بناء الثقة، للحفاظ على مساحة تسمح باستئناف المفاوضات. وإلى جانب تمويل مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، دعمنا، على سبيل المثال، مبادرات المسار الثاني التي تهدف إلى جمع الوسطاء المحليين وصانعي السلام لاستكشاف السبل الكفيلة بتحقيق فوائد ملموسة لليمنيين على جانبي خطوط التماس. وخلال زيارتي الأخيرة إلى تعز، تشرفتبلقاء كثير منهم، وأود هنا أن أشيد بالعمل الاستثنائي الذي يقومون به. كما نواصل تمويل آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش في جيبوتي، باعتبارها وسيلة للحد من تدفق السلع غير المشروعة إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وكذلك كإجراء يهدف إلى دفع الطرف الآخر للعودة إلى طاولة التفاوض.

أدرك أن كثيرين ينظرون إلى هذا النهج بقدر كبير من الشك، لكن تجربتنا كأوروبيين أثبتت أنه يمكن حتى لألد الأعداء في يومِ ما أن يجلسوا إلى طاولة المفاوضات، وأن يتفقوا ليس فقط على شروط السلام، بل أيضاً على رؤية مشتركة لبناء مستقبل معاً. وهذا ما فعلته فرنسا ألمانيابعد صراع مدمّر أودى بحياة أكثر من خمسة وسبعين مليون إنسان حول العالم. إن الاتحاد الأوروبي على استعداد لتعزيز مشاركته المباشرة في تيسير عودة مختلف الأطراف إلى الحوار، للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة. من الضروري أيضاً نشر الوعي في أوساط المجتمع الدولي بالحاجة الملحّة إلى إحلال السلام في اليمن، إذ أن ذلك لا يمثل مجرد ضرورة إنسانية وسياسية فحسب، بل يُعد كذلك ضرورة استراتيجية. إن الاستقرار في منطقة البحر الأحمر لا يمكن أن يتحقق ما لم ينعم اليمن نفسه بالاستقرار والسلام.

السيدات والسادة،

رحّبنا بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة دولة رئيس الوزراء، كما أن التشكيلة الجامعة لهذه الحكومة وتعيين ثلاث وزيرات للمرة الأولى كانا أمرا مشجعا. لقد التقيت بعدة وزراء، وأشعر بالإعجاببمدى عزمهم على المضي في تنفيذ أجندة الإصلاح التي وضعها رئيس الوزراء وحكومته. يشيد الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بالجهود والعمل الذي قام به رئيس الوزراء وحكومته، بما في ذلك إقرار موازنة الدولة للمرة الأولى منذ سبع سنوات، لمعالجة أكثر التحديات إلحاحاً التي يواجهها اليمنيون. بالإضافة لذلك، يُعدّ وجود جانب حكومي أكثر تماسكاً واتحادا أمراً أساسياً لاستئناف جهود السلام. ومن هنا، اسمحوا لي أن أجدد التأكيد بأن الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء سيواصلون تشجيع أعضاء مجلس القيادة الرئاسي على إبراز وحدة هدفهم في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد. وأود هنا أيضاً أن أجدّد التزامنا الثابت بدعم الحكومة اليمنية دبلوماسياً وسياسياً وفنياً.

في فبراير من هذا العام، التقى فخامة الرئيس العليمي بالممثلة العليا للاتحاد الأوروبي ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية، كايا كالاس، وأكدا على ضرورة تعزيز علاقاتنا الثنائية في مختلف القطاعات. كما جرت لقاءات رفيعة المستوى أخرى، من بينها الاجتماع الذي جمع دولة رئيس الوزراء بالممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لمنطقة الخليج، لويجي دي مايو. أما بالنسبة لي شخصياً، فقد قمت بعدد من الزيارات المكثفة داخل اليمن تعبيراً عن دعمنا، إذ كنت في عدن لتقديم أوراق اعتمادي إلى فخامة الرئيس بعد يومين فقط من تعييني في سبتمبر 2025. ومنذ ذلك الحين، زرت عدن عدة مرات، كما تشرفت بزيارة المكلا وسيئون وشبام وتعز وعدد من مديرياتها كالمعافر وجبل حبشي. إلى جانب ذلك، يواصل الاتحاد الأوروبي تعزيز المؤسسات اليمنية، فعلى سبيل المثال، ندعم خفر السواحل اليمنية، وكذلك البنك المركزي اليمني، ونجري حالياً مشاورات مع دولنا الأعضاء لتوسيع نطاق هذا الدعم المؤسسي.

السيدات والسادة،

يُعدّ الاتحاد الأوروبي أحد أكبر الشركاء التنمويين والإنسانيين لليمن. صحيح أن اليمن لا يزال يعيش أزمة مستمرة، ومازال ملايين اليمنيين يتلقون المساعدات الإنسانية، ويواصل الاتحاد الأوروبي تقديم هذا الدعم من خلال تدخلاته المختلفة، بما في ذلك الجسور الجوية الإنسانية المنتظمة إلى داخل البلاد. وسيواصل الاتحاد الأوروبي مساعدة المحتاجين بغض النظرعن مكان تواجدهم في اليمن، غير أن القيام بذلك يتطلب بيئة عمل مواتية. فلا يمكن لشركائنا أن يتعرضوا للترهيب، أو ما هو أسوأ من ذلك، كالمضايقات والاحتجاز. وهذا ما يحدث منذ سنوات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، الأمر الذي أدى فعليا إلى مغادرة عدد من وكالات الأمم المتحدة والشركاء لتلك المناطق. لقد دعونا مراراً إلى الإفراج عن جميع العاملين الإنسانيين المحتجزين، ونجدّد الآن التأكيد على تلك الدعوة.  

وفي مجال المساعدات التنموية، التي عملنا على تركيزها في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، فإن لدينا ثلاث أولويات رئيسية: التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل، والصمود المعيشي للمجتمعات المحلية، ودعم السلام والأمن. يمثل الترابط بين العمل الإنساني والتنمية والسلام جوهر هذا النهج، وهو يعني في الأساس ضرورة مساعدة المجتمعات المحلية على الانتقال من الاعتماد على المساعدات إلى تحقيق قدر أكبر من الاعتماد على الذات والتنمية المستدامة. تشمل تلك المشاريع إنشاء المجالس الاقتصادية المحلية في مدن كتعز، ودعم المبدعين من الشباب اليمنيين في المكلا وعدن، وإعادة تأهيل العيادات والطرق وقنوات الري والمدارس، وتقديم منح صغيرة للمجتمعات الضعيفة، ودعم المنظمات التي تُعنى باحترام حقوق الإنسان والمساءلة، أو ترميم الموروث الثقافي، إلى جانب العديد من المبادرات الأخرى. لم يكن لهذا العمل أن يتحقق لولا شركاؤنا، وفي مقدمتهم الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة، وكذلك زملاؤنا المحليون.

واسمحوا لي هنا أن أقف تكريما لذكرى الراحل وسام قائد، الذي كان القائم بأعمال المدير العام للصندوق الاجتماعي للتنمية. لم يكن وسام صديق للاتحاد الأوروبي فحسب، بل كان أيضاً إنساناً رائعا وثروة هائلة لليمن وشعبه. فقد ترك حياته في المملكة المتحدة وعاد إلى اليمن ليقود العمل التنموي ويسهم في تغيير حياة الناس، وقد شهدت بنفسي هذا التغيير على أرض الواقع، وكان أمراً مدهشاً بحق. يحتاج اليمن إلى المزيد من الأشخاص أمثال وسام. لقد شكّل اغتياله عملاً جباناً ودنيئاً قمنا بإدانته. وأنا على ثقة بأن أجهزة إنفاذ القانون ستتمكن من ملاحقة الجناة وتقديمهم إلى العدالة. لكن اسمحوا لي أن أقول بوضوح: إذا كان الهدف من هذه الجريمة هو ثنينا عن دعم الحكومة ومؤسساتها والشعب اليمني، فإن مقتل وسام لم يؤدِّ إلا إلى ترسيخ إصرارنا وعزيمتنا.

السيدات والسادة

وأود أن أختتم كلمتي بالإشادة بالشعب اليمني. لقد أمضيت عدة سنوات حول اليمن، ولم أرَ شعباً يملك ما لدى اليمنيين من صمود أمام الأزمات وألفة وكرم ضيافة. إن اليمنيين سفراء يبعثون على الفخر لهذه الأرض العريقة، الغنية بالإرث والواعدة، تلك الأرض التي كان الرومان يطلقون عليها اسم العربية السعيدة، بدءا من مملكة سبأ قبل ألف عام من حقبتنا، حتى مجيء الإسلام وإسهام اليمن في هذه الحضارة العظيمة، وصولاً إلى يومنا هذا. إنني أقرأ كتباً لمؤلفين يمنيين، وأزور روائع اليمن المعمارية المدهشة، وأتذوق طعامه الفريد (ولا تزال الفحسة وبنت الصحن من أكثر الأطباق التي أفضلها حتى الآن). يتطلع فريقي وأنا إلى تعزيز شراكتنا، ومواكبة أصدقائنا اليمنيين في مسعاهم نحو الازدهار والسلام.

شكراً لكم،


يحيا اليمن، ويحيا الاتحاد الأوروبي.