كلمة سفير الاتحاد الأوروبي في لبنان رالف طراف بمناسبة يوم أرووبا 2022

أصحاب المعالي والسعادة، الصديقات والأصدقاء،

إنه لمن دواعي سروري أن أرحِّب بكم الليلة بمناسبة يوم أوروبا - اليوم الذي نحتفل فيه بإعلان شومان لعام 1950، الخطوة الأولى في عملية طويلة أدّت في نهاية المطاف إلى إنشاء الاتحاد الأوروبي كما نعرفه اليوم. صدّقوا أو لا تصدّقوا، هذا أول حفل استقبال لي في يوم أوروبا في السنة الثالثة لي كسفير للاتحاد الأوروبي في لبنان. وبسبب الظروف الخاصة التي نحتفل فيها اليوم، نجتمع بأعداد قليلة وفي مقر إقامتي.

إلا أنّني سعيد لأننا التقينا رغم كل شيء وأودُّ أن أشكركم جميعاً على تشريفنا بحضوركم اليوم.

إنّ أوروبا اليوم موحَّدة أكثر من أي وقت مضى في مواجهة حرب وحشيّة وغير مبررّة تشنها روسيا على أوكرانيا، مما أدى إلى دمار وقتل ومعاناة وفظائع على نطاق لم نشهده في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

يشعر الأوروبيون بالصدمة عند مشاهدة قسوة هذه الحرب التي تشن على الأبرياء. واسمحوا لي أن أعرب، نيابةً عن جميع شعوب أوروبا، عن تعازينا القلبية لأسر وأقارب وأصدقاء الذين فقدوا حياتهم وعانوا من الإصابات والصدمات نتيجة لهذا العمل الحربي الهمجي المستمر.

 

بالإضافة إلى الألم والمعاناة، تستهدف هذه الحرب أيضاً قلب المشروع الأوروبي الذي يبغي توحيد قارتنا التي شهدت حروباً ودماراً لقرون قبل أن تبدأ عملية التوحيد الأوروبي في نهاية الحرب العالمية الثانية.

تنتهك هذه الحرب بشكل صارخ القانون الدولي، وذلك من جانب عضو دائم في مجلس الأمن. وتتجاوز الحرب الخطوط الحمراء التي وضعها الجميع في أوروبا واحترموها، حتى في ذروة الحرب الباردة، ولاسيما مبدأ حرمة الحدود.

 

أُسِّس الاتحاد الأوروبي لمنع مثل هذا السيناريو بالضبط في أوروبا.

بعد أهوال الحرب العالمية الثانية، توحد قادة وشعوب أوروبا حول صرخة حاشدة مشتركة: "لن تتكرر أبداً". لقد فهمنا أنّ التعاون الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتكامل كانا أساسيين لتحقيق هذا الهدف. وقمنا بتطوير مفهوم جديد أكثر إنسانية للأمن ووضعناه موضع التنفيذ. لقد فهمنا أنَّ أمننا لا يعتمد كثيراً على عدد الدبابات والطائرات والصواريخ والذخيرة التي نمتلكها ونتحكم فيها، بل على الثقة المتبادلة وحقيقة أن جيراننا يشعرون بالأمان.

 

نعم، نحن نعترف بأن المشروع الأوروبي والاتحاد الأوروبي أبعد ما يكون عن الكمال، مثل أي مشروع تم إنشاؤه وتنفيذه من البشر. ونعترف أيضاً بأننا غالباً لا نرتقي إلى مستوى الرؤى والقيم والالتزامات المعلنة البعيدة المدى. لكن الاتجاه الذي نريد أن نتطور فيه محدد بوضوح، واستعدادنا لتحمل المسؤولية عن رؤيتنا وقيمنا والتزاماتنا لا جدال فيه. لقد ضربت روسيا المبادئ الأساسية لهذا المشروع، وقد فعلت ذلك عمداً، باختيارها ، وليس بسبب الضرورة أو الدفاع عن النفس.

 

كإنسان، أشعر بالصدمة والحزن بسبب المعاناة الإنسانية التي سببتها هذه الحرب. وبصفتي دبلوماسياً، أشعر بالحزن لرؤية أن الدبلوماسية لم تتمكن من منع تلك الحرب والاعتراف بأنّه يبدو أنّ الدبلوماسية عجزت حتى الآن أمام صوت مدافع الحرب. وعند هذا المنعطف، نشعر جميعاً أنّه من واجبنا الوقوف إلى جانب شعب أوكرانيا في هذا النزاع.

 

بالنسبة إلى لبنان، كما هو الحال بالنسبة إلى العديد من البلدان الأخرى، تحدث هذه الحرب في وقت تتطلب فيه التحديات المحلية والداخلية تركيزاً وانتباهاً.

لا يزال لبنان الذي نادراً ما عرف الاستقرار الداخلي والتماسك الاجتماعي في تاريخه، يقف على مفترق طرق ديناميكيات إقليمية متناقضة تمزّق مجتمعه ونظامه السياسي.

 

يستمرُّ لبنان بشكل خاص في مواجهة تداعيات الحرب في سوريا والأعداد الضخمة للاجئين بسبب هذه الحرب. وإنّ ما نسمّيه الأزمة الاقتصادية التي يواجهها لبنان اليوم هو في الواقع أكثر بكثير من مجرد أزمة اقتصادية. إنّها أزمة أدّت إلى انهيار نموذج الأعمال الذي اعتمد عليه هذا البلد لعقود بعد الخروج من حرب أهلية دامية. ولهذه الأزمة الاقتصادية تأثير هائل على النسيج الاجتماعي في لبنان من خلال الضغط غير المسبوق على الطبقة الوسطى وإيجاد طبقة جديدة كاملة من المستضعفين الذين بالكاد يمتلكون الحد الأدنى من المال لتغطية نفقاتهم. كما أنّ لها تأثير كبير أيضاً على شرعية النظام السياسي الذي لا يفي بتوقعات اللبنانيين العاديين والذي فقد تالياً ثقة معظمهم.

 

في هذا السياق، تؤدي الحرب على أوكرانيا إلى مستوى آخر من التحديات، وهي لا تنحصر بارتفاع أسعار السلع وتحول اهتمام شركاء لبنان الأوروبيين، بل أيضاً في ما يتعلق بعودة الجغرافيا السياسية على نطاق عالمي.

اسمحوا لي أن أؤكِّد لكم بأنّني شخصياً أتفهَّم عدم ارتياح صنّاع القرار اللبنانيين عندما يُطلب منهم اختيار طرف في نزاع يبدو أنّهم غير معنيين به.

إنّني أتفهَّم الانهماك بأن أخذ طرف قد يؤدي إلى مزيد من الاستقطاب في وضع سياسي يشهد انقساماً واستقطاباً، على حساب بناء توافق في الآراء تشتدُّ الحاجة إليه لمواجهة التحديات المحلية.

كما أتفهَّم شكوك العديد من محاوريَّ اللبنانيين عندما تتحدث أوروبا عن ضرورة دعم القانون الدولي والدفاع عنه، في ضوء ما يبدو أحياناً قراءة انتقائية لما يعنيه ذلك - خصوصاً في هذه المنطقة.

 

إلا أنَّه بالنسبة إلى الاوروبيين، ما زالت هذه لحظة حاسمة نعدُّ فيها أصدقاءنا. هذه الحرب غير عادلة. هذه الحرب غير مبررة. ولا يتم خوض هذه الحرب لتحسين العالم. ويجب أن نجد بشكل جماعي طريقة لإنهائها، وكلما كان ذلك أقرب زمنياً، كان ذلك أفضل. ولا يمكن ولا ينبغي أن يكون هناك مساومة على العدوان. وليس هذا لمصلحتنا فحسب، بل من أجل الاستمرار في الاستثمار في مستقبل أفضل لنا جميعاً.