وقت العمل هو الآن

سفير الاتحاد الاوروبي في لبنان، رالف طراف، وسفراء الدول الأعضاء في الاتحاد الاوروبي المقيمون في بيروت، سفراء: النمسا، بلجيكا، بلغاريا، قبرص، الجمهورية التشيكية، ألمانيا، الدنمارك، اليونان، اسبانيا، فنلندا، فرنسا، المجر، ايطاليا، هولندا، بولندا، رومانيا، سلوفاكيا، السويد، بالإضافة إلى سفراء النرويج وسويسرا.

يقف لبنان على شفير الانهيار، ويرى البعض إنّه قد انهار بالفعل. وتدلُّ جميع المؤشرات الاقتصادية إلى حالة مأساوية: التضخم المفرط، وخسارة القدرة الشرائية، والفقر المتزايد، وهجرة الأدمغة، وزوال الطبقة المتوسطة، وهي العمود الفقري للمجتمع اللبناني. ولا يحتاج اللبنانيون إلى المؤشرات الاقتصادية، فهم يشعرون بما يحدث بشكل يومي.

وبعد مرور أكثر من عامين ونصف العام على تخلُّف الدولة اللبنانية عن سداد ديونها السيادية، وتقديم الحكومة خطة إنقاذ اقتصادي ومالي، ما زال صانعو القرار اللبنانيون عاجزين عن تنفيذ التدابير الضرورية لانتشال لبنان من حافة الهاوية. فالقرارات والتدابير المتخذة حتى الآن غير كافية، وما يؤكد على ذلك هو التدهور المستمر للأوضاع.

نحن ندرك أنّ المهام المطلوبة شاقّة. كما أنّ سياق الأمور لا يسهل المهام، أي البيئة الجغرافية السياسية الإقليمية والدولية القائمة على الاستقطاب، والإجماع الوطني الضعيف على أهم المسائل الاستراتيجية الأساسية، واستمرار وجود عدد كبير من اللاجئين السوريين، والنظام المجتمعي والسياسي الطائفي مع ما يؤدي إليه من مستوياته إضافية من الضوابط والتوازنات، والنظام السياسي المجزّأ الذي لا يُحترم فيه مبدأ فصل السلطات ويفتقر إلى الشفافية والمساءلة.

يقول العديد من أصدقائنا ومحاورينا اللبنانيين إنّه لا يمكن مواجهة التحديات القائمة إذا لم تتم معالجة هذه الأمور الجوهرية. غير أننا لا نوافق على هذا الاستنتاج. فجميع صانعي القرار اللبنانيين المعنيين يستطيعون، لا بل ينبغي عليهم أن يفعلوا المزيد الآن لإعادة بناء الحيز الاقتصادي والنقدي والمالي في لبنان، كخطوة أولى لإعادة اقتصاده إلى مسار التعافي.

لقد وقّعت الحكومة اللبنانية اتفاقاً على مستوى الموظفين مع صندوق النقد الدولي في نيسان من هذه السنة، التزمت فيه بتنفيذ عدد من الإجراءات المحددة المسبقة. وهذا من شأنه أن يسمح لموظفي الصندوق بأن يقدّموا لمجلس محافظيه برنامجاً خاصاً بلبنان للموافقة عليه. والحقيقة المحزنة هي أنّه بعد مضي نحو نصف عام على التوقيع على هذا الاتفاق، لم يتم تنفيذ أي من الإجراءات المسبقة المطلوبة للموافقة على برنامج صندوق النقد الدولي وإطلاقه.

إنّ هذا ليس بالأمر الجيد. فالفرصة الواقعية الوحيدة المتاحة اليوم لإخراج لبنان من دائرة الخطر هي على وشك أن تضيع، بسبب نقص التركيز، وعدم الرغبة في التوصل إلى التسوية، وعدم وجود رؤية، والافتقار إلى القيادة.

نعم يمكن للبنان أن يخرج من الأزمة. وقد تم الاتفاق على الخطوات الأولى اللازمة بين صندوق النقد الدولي والحكومة: فالنظام المصرفي معطّل ويضرّ بالاقتصاد، ولا بد من إعادة بنائه وتشغيله على أسس الشفافية. وينبغي تحديد الخسائر والديون المتراكمة في العقود الماضية وتقاسمها بطريقة مسؤولة ومنصفة وعادلة. فلا يستطيع صغار المودعين أن يتحملوا العبء الكامل للأزمة ويجب حمايتهم. كما أنَّ توحيد سعر الصرف أمر حتمي. فأسعار الصرف المتعددة تشوّه المعاملات الاقتصادية وتفتح الباب أمام التلاعب والاحتيال. وتحتاج الدولة إلى موازنة مناسبة تُوضع في وقتها تحدِّد إيرادات الدولة ونفقاتها على السواء، بطريقة واضحة ومشروعة. ويتعين على المصرف المركزي التحلّي بالشفافية في ما يتعلق بالأصول بالعملات الأجنبية. ويعتبر قانون السرية المصرفية ضرورياً للسماح بمكافحة الفساد والتحقيق في المخالفات. كما أنَّ قانون ضبط التحويلات المصرفية، "الكابيتال كونترول"، أساسي كتدبير مؤقت لضمان أن يكون للبنان الموارد اللازمة لوضع نفسه على مسار التعافي المالي.

كل هذا ممكن، ويجب القيام به بدعم من صندوق النقد الدولي والأسرة الدولية أو بدونهما. وهذه التدابير ضرورية لإعادة بناء الثقة في مؤسسات لبنان، ومصارفه، ومصرفه المركزي، وحكومته، ومجلسه النيابي، وقادته السياسيين. فقد فُقِدَت الثقة ويجب استعادتها كأولوية ملحّة. ففي غياب الثقة، لن تكون هناك سيولة في المصارف، ولن يكون هناك تعاون تنموي ذي شأن أو استثمارات خاصة، وستستمر الأزمة الاقتصادية.

والاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء، كما النرويج وسويسرا، على استعداد للوقوف إلى جانب لبنان وشعبه وتقديم الدعم في هذه الفترة الصعبة من الناحيتين السياسية والمالية. ولكن لا يمكننا إلّا أن نقدِّم الدعم. ويتعين على صانعي القرار اللبنانيين الارتقاء إلى مستوى مسؤولياتهم ووضع المصلحة العامة في المقام الأول، ومصالحهم المشروعة الخاصة في المرتبة الثانية.

يمكن للبنان أن يخرج من الأزمة. وقت العمل هو الآن.