خطاب السفيرة أنجلينا أيخهورست أمام اللجنة التوجيهية للمشروع الإقليمي المموَّل من الاتحاد الأوروبي الخاص بـ النظام الأوروبي للبنوك المركزية (ESCB)
سعادة المحافظ عبد الله ،
يسرّنا أن نستضيفنا في هذه المدينة النابضة بالحياة، القاهرة، حيث يتلاقى التاريخ العريق مع الحداثة بقوة ووضوح. شكرًا جزيلًا لكم.
وأود كذلك أن أتقدم بالشكر إلى جميع العاملين في البنك المركزي المصري على الجهود الكبيرة التي بذلوها في تنظيم واستضافة اجتماع اللجنة التوجيهية لهذا المشروع. كما أعلم أن السيدة مي عبد الناصر وفريقها كانوا في غاية النشاط والمشاركة الفاعلة في هذا المشروع، فجزيل الشكر لهم أيضًا.
كما أرحب بممثلي بنك فرنسا والبوندسبنك بوصفهما الجهتين القائدتين للمشروع.
وأرحب كذلك بالسادة العاملين في البنوك المركزية الأفريقية والبنوك المركزية الأوروبية، كلٌّ وفق موقعه ومسؤوليته. ويسعدني أن أرى هذا العدد الكبير من المديرين والممثلين المشاركين معنا اليوم.
إن اجتماعنا في القاهرة يمثل تجديدًا لبرنامج ناجح للغاية، ساهم على مدى العامين الماضيين في جمعكم أنتم وزملاءكم وتعزيز التعاون فيما بينكم.
وفي عالمنا اليوم، حيث أصبحت كثير من المسلمات موضع تساؤل، تزداد أهمية رعاية العلاقات الجيدة، وتعزيز التواصل، وبناء التفاهم المتبادل، والوقوف إلى جانب بعضنا البعض وتقديم الدعم عند الحاجة.
وينطبق ذلك على حسن سير عمل الأسواق المالية، وعلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، وهو ما يتطلب اهتمامًا دقيقًا ومتابعة مستمرة وتعاونًا وثيقًا فيما بيننا.
واليوم نخطو خطوة إضافية إلى الأمام في هذا النهج الإقليمي للتعاون بين البنوك المركزية، من خلال الجمع بين قارتين متقاربتين للغاية: أفريقيا وأوروبا.
وكما تعلمون، فقد قررنا تمديد الإطار الزمني لعملنا المشترك لمدة عامين إضافيين، مع زيادة قدرها مليونا يورو. ويعكس هذا القرار قبل كل شيء مبدأ الاستمرارية، استمرارية تتيح لنا تعميق شراكتنا.
كما يعكس استمرارية الاتحاد الأوروبي كشريك يمكن التنبؤ به والاعتماد عليه.
وبالتعاون مع الدول الأعضاء، يستخدم الاتحاد الأوروبي كامل أدواته المتاحة لتعزيز الازدهار والمساهمة في استقرار الأوضاع الصعبة عند الضرورة، بدءًا من المساعدة المالية الكلية ودعم الموازنات، وصولًا إلى أدوات تقليل المخاطر للاستثمارات العامة والخاصة، وبناء القدرات. وقد بلغ إجمالي المساعدة المالية الكلية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لمصر 5 مليارات يورو، لتكون بذلك ثاني أكبر عملية مساعدة مالية كلية للاتحاد الأوروبي على مستوى العالم. وفيما يتعلق بأدوات تقليل المخاطر، فإننا نستخدم، من بين أدوات أخرى، آليات المزج والضمانات للمساهمة الفعلية في تحفيز الاستثمارات في الدول الأفريقية، وذلك في إطار مبادرة “البوابة العالمية” للاتحاد الأوروبي، بما يدعم النمو المستدام والاقتصاد الشامل والأخضر.
ولضمان تدفق الاستثمارات، لا بد من تعزيز العمل على صون الاستقرار الاقتصادي الكلي والاستقرار المالي، وهنا تلعب البنوك المركزية — وأنتم في طليعتها — دورًا محوريًا. فإلى جانب المصداقية القانونية والمؤسسية للبنك المركزي، يتعين علينا ضمان كفاءة عمل أسواق الصرف الأجنبي في بلداننا. وللوقاية من الأزمات والتحوط ضد مخاطر العملات، تبرز أهمية أن تعكس الاحتياطيات، وكذلك الأصول المقومة بالعملات الأجنبية وعملات الفوترة التجارية، الوزن الحقيقي لتدفقات التجارة والاستثمار.
وقد أشارت السيدة كريستين لاغارد إلى أن أحد المكونات الأساسية لاستغلال الإمكانات الكاملة لأي عملة يتمثل في المرونة الاقتصادية، إلى جانب المصداقية القانونية والمؤسسية.
ومن الضروري أن تتمتع البنوك المركزية بالاستقلالية في صياغة سياساتها النقدية. فالنقاشات الدائرة حاليًا في دول مختلفة تؤكد هذه الحقيقة بوضوح: يجب حماية محافظي البنوك المركزية من التأثيرات السياسية، وأن يمارسوا سياسات نقدية رشيدة ومستدامة وذات مصداقية.
واسمحوا لي، سعادة المحافظ عبد الله، أن أهنئكم على السياسة النقدية الفعالة التي تنتهجها، والتي تسهم بشكل ملموس في خفض معدلات التضخم في مصر، وعلى الدور الذي اضطلع به البنك المركزي المصري في استعادة المصداقية في الأسواق المالية الدولية.
كما أظهر التقرير الأخير للبنك المركزي الأوروبي حول دور اليورو في العالم أن العملة الأوروبية، ورغم الأزمات العديدة، حافظت على حصتها في الاستخدام العالمي للعملات خلال العشرين عامًا الماضية، في حين تراجعت حصص عملات أخرى.
وفي الاتحاد الأوروبي، نؤمن بأننا قادرون على مواجهة التحديات الدولية معًا ومن خلال العمل المشترك.
وأود أن أؤكد مجددًا أنه إذا كانت هناك جهة في العالم تعزز بالفعل السلوك التعاوني وتسعى إلى تكامل أوثق على الدوام، فهي الاتحاد الأوروبي.
وقد أخبرتني إحدى محافظات البنوك المركزية أن الميزة الكبرى لهذا المشروع، من وجهة نظرها، تكمن في تنوع الشركاء الأوروبيين المشاركين فيه، ما يتيح الاستفادة من طيف واسع من الخبرات، تتلاءم بعضُها أكثر من غيرها مع التحديات الخاصة بكل بلد.
ومن النتائج الحقيقية لهذا البرنامج أنه، وبعد سلسلة من ورش العمل الفنية، أصبح المشاركون يعرفون بعضهم البعض بشكل أفضل، وبنوا علاقات ثقة، بل وحتى صداقات. فعندما يحتاج أحدهم إلى إعداد لائحة تنظيمية جديدة، أو يبحث عن مشورة قانونية، أو عن تجربة بنك سبق له تطبيقها، يمكنه ببساطة الاتصال بزميل في البنك المركزي الأوروبي، أو في البنك المركزي السلوفاكي، أو في البوندسبنك، والحصول سريعًا على المشورة. وفي حالات أخرى، يمكن رفع الهاتف والتواصل مع جهة اتصال موثوقة في جنوب أفريقيا، أو المغرب، أو غانا، وهو ما يشكل بحد ذاته دعمًا مهمًا.
ولذلك، آمل أن نتمكن من خلال هذا البرنامج الممتد من الارتقاء بهذه الشراكة إلى مستوى أعلى، وأن نبني خلال العامين المقبلين على المعرفة المشتركة، من خلال مقارنة الخبرات وتبادل الدروس المستفادة، ليس فقط لتوسيع الأدوات الفنية، بل أيضًا لتعميق العلاقات الشخصية والشبكات المهنية التي تساعدنا جميعًا على مواجهة التحديات الكبرى التي تواجه أنظمتنا المالية معًا.
وأود في الختام أن أتقدم بالشكر إليكم جميعًا على مشاركتكم: البنوك المركزية في أنغولا، ومصر، وغانا، وكينيا، والمغرب، وموزمبيق، وناميبيا، وجنوب أفريقيا، وتنزانيا، وتونس، وكذلك البنوك الإقليمية، وهي البنك المركزي لدول غرب أفريقيا (BCEAO)، وبنك دول وسط أفريقيا (BEAC).
كما أشكر شركاءنا من النظام الأوروبي للبنوك المركزية، ولا سيما بلجيكا، وفرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، وليتوانيا، والبرتغال، وسلوفاكيا، وإسبانيا.
شكرًا لكم جميعًا، وأتمنى لكم اجتماعًا مثمرًا للجنة التوجيهية، وإقامة طيبة في القاهرة.