كلمة السفيرة أنجلينا آيخهورست في المنتدى العالمي للقطاع الخاص 2026
أصحاب المعالي والسعادة،
السيدات والسادة الوزراء،
السيدات والسادة ممثلي الحكومات، والقطاع الخاص، وشركاء التنمية، والأوساط الأكاديمية، ومنظمات المجتمع المدني،
السيدات والسادة،
يسعدني أن أشارككم اليوم في هذا المنتدى المهم، الذي يركز على تعزيز الشراكة بين الحكومات والقطاع الخاص وشركاء التنمية، بما يدعم بناء منظومات مستدامة لتصنيع المنتجات الصحية في أفريقيا. ويُعد ذلك ركيزة أساسية لبناء نظم صحية أكثر قوة وقدرة على الصمود واستدامة.
واسمحوا لي في البداية أن أتوجه بخالص الشكر إلى الجهات المنظمة والمضيفة على جمع هذا الحشد المتميز من أصحاب المصلحة. فوجودكم اليوم يعكس إدراكًا مشتركًا بأن إتاحة الأدوية الآمنة والفعالة والمضمونة الجودة وبأسعار ميسورة ليست مجرد أولوية في مجال الصحة العامة، بل هي أيضًا استثمار استراتيجي في التنمية، والقدرة الاقتصادية على الصمود، وصون الكرامة الإنسانية.
ولهذا، يفخر الاتحاد الأوروبي، إلى جانب سبع دول أعضاء فيه، بالوقوف إلى جانب شركائه الأفارقة لتحقيق هذه الأهداف. فنحن ملتزمون بدعم الدول الأفريقية في تهيئة الظروف اللازمة لبناء مجتمعات أكثر صحة، ومؤسسات أقوى، وفرص عمل نوعية، وتعزيز الجاهزية لمواجهة الأزمات الصحية المستقبلية.
لقد كانت الدروس التي تعلمناها خلال السنوات الأخيرة واضحة. فقد كشفت جائحة كوفيد-19، ثم الصراع الدائر في الشرق الأوسط، عن مواطن الضعف في سلاسل الإمداد العالمية، وأبرزت مخاطر الاعتماد المفرط على عدد محدود من مصادر الإنتاج. وأثبتت هذه التجارب أن التصنيع الإقليمي والمحلي يشكلان عنصرًا أساسيًا لضمان أمن الإمدادات وتحقيق وصول عادل إلى المنتجات الصحية الأساسية. وما زلنا نشهد أهمية ذلك اليوم في مواجهة حالات الطوارئ الصحية، مثل تفشي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
وبشكل أوسع، سواء تعلق الأمر بالأمراض المعدية الناشئة، أو بمقاومة مضادات الميكروبات، أو بالاضطرابات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، فقد تعلمنا جميعًا الدرس ذاته:
لن يكون أحد في مأمن حتى يصبح الجميع في مأمن.
فأوروبا وأفريقيا تتشاركان هذه الحقيقة، لأن مسببات الأمراض لا تعترف بالحدود، ولا بالتوترات الجيوسياسية، ولا بالدورات السياسية.
وينعكس هذا المبدأ أيضًا في استراتيجية البوابة العالمية (Global Gateway) للاتحاد الأوروبي، التي تهدف إلى دعم استثمارات مستدامة وعالية الجودة تحقق أثرًا طويل الأمد، ويُعد قطاع الصحة أحد محاورها الرئيسية.
ويؤمن الاتحاد الأوروبي إيمانًا راسخًا بأن تعزيز الأمن الصحي العالمي لا يتحقق إلا من خلال شراكات حقيقية تقوم على المصالح المشتركة، والتعلم المتبادل، والمنفعة المتبادلة.
ومن هذا المنطلق، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، خلال خطابها عن حالة الاتحاد في سبتمبر 2025، عن المبادرة العالمية لتعزيز القدرة على الصمود الصحي (GHRI).
وقد اعتُمِدت هذه المبادرة في الثالث عشر من مايو من هذا العام، لتحدد رؤية الاتحاد الأوروبي لسد الثغرات في منظومة الصمود الصحي العالمية. وهي تستند إلى عناصر أثبتت نجاحها في النموذج الصحي الأوروبي، ويمكن تقاسمها مع الدول الشريكة حيث تتلاقى مصالحنا، مثل الالتزام بالتغطية الصحية الشاملة، وتعزيز الرعاية الصحية الأولية، وتشجيع البحث والابتكار، ودعم التصنيع المحلي. وهي جميعها موضوعات ستتناولها جلسات المنتدى اليوم.
وترتكز المبادرة على خمس أولويات رئيسية:
-
تعزيز منظومة الحوكمة الصحية العالمية.
-
دعم النظم الصحية الوطنية بقيادة الدول نفسها.
-
تعزيز الوقاية والتأهب والاستجابة للأزمات الصحية.
-
تنويع سلاسل الإمداد ودعم التصنيع المحلي للمنتجات الصحية الأساسية.
-
مكافحة المعلومات المضللة والتلاعب والتدخل الأجنبي في المعلومات، وتعزيز الثقة في العلم.
وقد بدأت هذه الأولويات بالفعل في التحول إلى إجراءات عملية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك مبادرة فريق أوروبا لتصنيع وإتاحة اللقاحات والأدوية والتكنولوجيات الصحية في أفريقيا (MAV+).
ومن خلال هذه المبادرة، نجح الاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع سبع دول أعضاء، في حشد أكثر من ملياري يورو لدعم هدف الاتحاد الأفريقي المتمثل في إنتاج 60% من احتياجات أفريقيا من اللقاحات محليًا بحلول عام 2040.
غير أن تعزيز صناعة الأدوية لا يقتصر على إنشاء المصانع أو الاستثمار في البنية التحتية، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة تشمل سياسات وتشريعات سليمة، وأطرًا تنظيمية مستقرة وقابلة للتنبؤ، والاستثمار في تنمية المهارات، والبحث والابتكار، ونقل التكنولوجيا، وضمان الجودة، وتعزيز ثقة الأسواق.
كما يتطلب تعاونًا وثيقًا بين الحكومات والقطاع الخاص، والجهات التنظيمية، والمؤسسات الأكاديمية، والشركاء الدوليين.
ولهذا تحديدًا، تكتسب مشاركة الاتحاد الأوروبي من خلال مبادرة MAV+ أهمية خاصة، إذ يهدف دعمنا إلى توفير بيئة مواتية لتطوير صناعة دوائية تستوفي أعلى المعايير الدولية، وتلبي في الوقت ذاته احتياجات الصحة العامة.
وهدفنا واضح: الإسهام في بناء نظم صحية أكثر قدرة على الصمود، من خلال توحيد الخبرات والموارد والابتكار لدى الجهات العامة والخاصة في أفريقيا وأوروبا.
فمن خلال هذه الشراكات وحدها يمكننا بناء نظم صحية أكثر قوة، وأكثر سيادة، وأكثر قدرة على الصمود لصالح الجميع.
ويظل النجاح مرهونًا بتكاتف جميع الأطراف.
فعلى الحكومات أن توفر الرؤية والسياسات الواضحة، وأن تهيئ بيئة جاذبة للاستثمار.
وعلى الهيئات التنظيمية أن تواصل تطوير منظومات رقابية قوية وموثوقة.
أما القطاع الخاص، فعليه أن يقود الاستثمار والابتكار وريادة الأعمال.
كما يقع على عاتق الجامعات ومؤسسات التعليم والتدريب إعداد الكفاءات اللازمة لصناعة دوائية حديثة وقادرة على المنافسة.
أما شركاء التنمية، فعليهم مواصلة العمل في تنسيق وثيق، بما يتماشى مع الأولويات الوطنية ويضمن الاستدامة على المدى الطويل.
وسيظل الاتحاد الأوروبي شريكًا ملتزمًا بهذا النهج.
السيدات والسادة،
يمثل هذا المنتدى فرصة ليس فقط لاستعراض ما تحقق من تقدم، بل أيضًا لرسم ملامح المرحلة المقبلة من هذا المسار المشترك.
فلنغتنم هذه المناسبة لتعزيز تعاوننا، وتحديد حلول عملية، وتسريع جهودنا المشتركة لبناء منظومات أكثر قوة واستدامة لتصنيع المنتجات الدوائية والصحية في أفريقيا.
ولنواصل العمل معًا، واضعين الجودة والاستدامة والشمول وإتاحة الوصول العادل إلى الخدمات والمنتجات الصحية في صميم جهودنا.
سيظل الاتحاد الأوروبي شريكًا موثوقًا وطويل الأمد في هذه المسيرة.
وأتوجه بالشكر إلى جميع من يسهم في هذا الجهد المشترك، وأتمنى لكم منتدى ناجحًا ومثمرًا.
شكرًا جزيلاً لكم.