العودة إلى الديار
تركت داعش عن قَصد العديد من ألعاب الأطفال في جوانب الشوارع في مدينة الموصل، التي حرَرَّها مؤخراً الجيش العراقي، وتحتوي هذه الألعاب على مواد متفجرة مخبأة بداخلها لِخداع الأطفال الذين يلتقطونها دون معرفة بما هو مخبأ بها من موت لهم.
كما تنتشر الأجسام المُفخخة في المدينة مما نشر الخوف بين المواطنين ومنعهم من التحرك والقيام بالأمور الاعتيادية داخل منازلهم، فقد يكون المصحف على الطاولة في غرفة الجلوس جاهزا للانفجار عند التقاطه، أو مفاتيح الإضاءة في المنزل مربوطة بأجهزة مفخخة.
تُستَخدم الأجهزة التفجيرية يدوية الصنع كسلاح نفسي من أجل تقويض عملية المُصالحة الجارية، من هذا المنطلق، قرَرَ الاتحاد الأوربي أن يُرَكِز على عملية إزالة الألغام والأجسام المفخخة بدعم الجهود الرامية إلى تطهير المناطق المُحررة من المتفجرات وإعادة حياة المواطنين المدنيين إلى طبيعتها.
هنالك أكثر من ثلاثة ملايين من النازحين الداخليين العراقيين بانتظار العودة إلى منازلهم، الاتحاد الأوروبي يعمل على تأمين عودة هؤلاء المواطنين إلى منازلهم بسلام وأمان.
"نحن نعمل على إزالة الألغام والأجسام المفخخة من المناطق المُحَرَرَة من داعش وصولاً إلى إتاحة المجال للمواطنين للعودة إلى بيوتهم بأمان وإلى ممارسة حياتهم الطبيعية." هذا ما جاء على لسان فيديريكا موغيريني - الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية في مَعرض حديثها عن استنتاجات المجلس الأوروبي حول العراق في 18 حزيران/ يونيو 2017.
ويُعتبر الاتحاد الأوروبي بمثابة الجهة المانحة الرئيسية التي توفر المساعدات الإنسانية إلى العراق حيث قَدَّم الاتحاد الأوروبي منذ عام 2015 ما مجموعه 309.25 مليون يورو من مجموع المساعدات الإنسانية، كما أن الاتحاد الأوروبي هو ضمن الجهات المانحة الرئيسية العاملة على تمويل إزالة الألغام والأجسام المفخخة وإزالة التلوث، وهي الأمور التي حددتها الممثلة العليا كجزء لا يتجزأ من عمل الاتحاد الأوروبي من أجل استقرار العراق.
وقالت موغريني في شهر آذار/مارس من هذا العام (2017): "هذا العمل أساسي، حيث يعمل الخبراء من الاتحاد الأوروبي على إزالة الألغام والأجسام المفخخة من المناطق المحررة من العراق، كما يعمل مهندسينا على بناء سد الموصل. فنحن نستثمر في دعم الاقتصاد. تُعتبر القوة العسكرية أمراً هاماً [ضمن ظروف معينة] إلا أنها غير كافية لإنهاء الحرب أو تحقيق السلام."
نجد في الواقع أنه من خلال أعمال إزالة الألغام والأجسام المفخخة تَتَحَقق المكاسب الإنسانية والأمنية والسياسية لما نُقدمه من دعم للشعب العراقي.
استعادة الأمل بعد زوال الأعمال الوحشية
يبدو حجم تحدي العمل على إعادة المواطنين العراقيين إلى بيوتهم بأمان وكأنه غاية في الصعوبة. فالعراق مليء بالألغام والقنابل التي لم تنفجر بعد خاصة على حدوده الشرقية حيث يرجع تاريخ هذه القنابل إلى الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات من القرن الماضي.
Location of mines and remnants of war per area. Iraq Action Program Overall (DMA)
بالإضافة إلى مخلفات الحرب توجد أعداد كبيرة من المتفجرات الجديدة من صناعة داعش حيث يمكننا فقط التكهن بعدد هذه القنابل والمتفجرات.
iTrace
تُصنع الأجهزة التفجيرية يدوية الصنع من مكونات متوفرة رخيصة الثمن، وهي ما تشتهر به داعش. تأتي هذه المكونات من موردين غير أولئك الذي يوردون الأسلحة، فهي في غالبيتها سِلَع تجارية لا تخضع للمراقبة والترخيص مُقارنةً بالأسلحة.
تعمل منظمة (CAR) وهي منظمة مستقلة منتدبة من قبل الاتحاد الأوروبي من خلال مشروع (iTrace) على مراقبة حركة السلع المختلفة من أجل منع داعش من قتل المزيد من المدنيين.
إن استخدام الأجهزة التفجيرية يدوية الصنع والألغام والمتفجرات في استهداف المدنيين بعيداً عن خطوط التماس ليس بأمر جديد، فقد قتلت داعش ما يُقَدَر بحوالي 25 ألف مدني عراقي على الأقل منذ حزيران/ يونيو 2014 وفقاً لبعثة الأمم المتحدة في العراق.
تسعى داعش إلى أن يكون الدمار والخراب الذي ستخلفه ورائها غير مسبوق من حيث حجمه ووحشيته. فمن بين هذه الأعمال الوحشية تم خلع الألواح الخشبية التي تغطي أرضيات المدارس وإعادتها بعد وضع ألغام صفائح ضغط تحتها مما يجعلها تنفجر تحت أقدام الأطفال فور عودتهم إلى مدارسهم.
ففي الوقت الذي يتم فيه تحرير الأراضي العراقية نجد أننا نعمل في سباق مع الزمن، فهنالك أعداد متزايدة من النازحين الداخليين العراقيين الذين يعملون بِجِد من أجل العودة إلى منازلهم، إلا أن هذا لن يتحقق دون ضمان السلامة والأمان لهم.
لقد عملت بعثة الاتحاد الأوروبي في العراق على قيادة وتنسيق أعمال إزالة الألغام مما يضمن قيام المنظمات المختلفة العاملة في هذا المجال بالعمل معاً لضمان فعالية مواجهة ما تقوم به داعش من عمليات شنيعة من تلويث لأراضي العراق.
وقد صرّحت موغريني في حديثها مع أطراف التحالف في تموز/ يوليو عام 2016 وفي مُعرض تذكيرها لزملائها من أطراف التحالف بدور الاتحاد الأوروبي قائلةً: "لا يوجد دولة تتوفر لديها وحدها المصادر اللازمة للتعامل مع الأزمات التي نواجهها اليوم." إلا أن الاتحاد الأوروبي هو الطرف الوحيد الذي "يتحدث مع كافة الأطراف في المنطقة والمناطق الأخرى." إن الاتحاد الأوروبي يعمل جاهداً في العراق بأفضل ما لديه من قدرات من أجل استخدام شامل لشبكاته الدبلوماسية وسلطاته ويعمل كجهة مانحة وكشريك مُرَكِزاً على أرض الواقع على أعمال حقيقية تسعى من أجل تحقيق تغييرات إيجابية. وأضافت الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية "إن الاتحاد الأوروبي هو الطرف الوحيد الذي يستطيع تيسير التعاون." لقد عمل الاتحاد الأوروبي على الجمع بين أطراف مختلفة ومتنافسة، في الغالب، من أجل تعزيز الموارد إلى أقصى حد ممكن من خلال قيادة الجهود الدولية المتعلقة بإدارة أعمال إزالة الألغام المتفجرات في العراق. "وهذا هو جوهر عمل هيئة الاتحاد الأوروبي للعمل الخارجي. ونحن نعمل على الجمع بين الأشخاص من أجل حل المشاكل" كما جاء على لسان شارلي ستيوارت من بعثة الاتحاد الأوروبي إلى العراق.
يقوم الجيش العراقي وبعثات الأمم المتحدة وجهات تعاقدية خاصة بعمليات إزالة الألغام دون اللجوء إلى وضع مجموعة من المعايير المُشتركة، بينما تقوم المنظمات الأهلية والمنظمات الإنسانية بأعمال التوعية حول مخاطر الألغام ومساعدة الضحايا. لقد عملت هذه الأطراف دون تنسيق بينها في الوقت الذي توجد فيه غالبية الخبراء العراقيين في الأعمال العسكرية على خطوط التماس. لقد تمكنت بعثة الاتحاد الأوروبي في العراق من إنجاز آلية تنسيق بسيطة لكنها فعّالة أدت إلى تحقيق نتائج لا يُستهان بها خلال وقت يسير.
تعمل هذه الآلية على تقييم ووضع النتائج التي تسعى لتحقيقها في كل مجال من المجالات وتنسيق وتزامن أعمال الأطراف المختلفة في ذهابها لقيامها بعملها.
ففي الرمادي، على سبيل المثال، تمكن أكثر من 6 آلاف طالب من العودة إلى مقاعد الدراسة بفضل عمليات إزالة الألغام من الجامعة التي فخختها داعش بكاملها. كما تمكن ألفي شخص من العودة إلى عملهم في المستشفى التعليمي في المدينة.
"منهجية التنسيق"
عمل الإتحاد الأوروبي ضمن جهوده للتغلب على المعيقات المعروفة التي تقف في وجه التنسيق في مجال إزالة الألغام على الجمع بين كلّ من هيئة إزالة الألغام التابعة للأمم المتحدة والمنظمات الأهلية والجهات التعاقدية والسلطات العراقية المحلية والمركزية، وجمع بين الأطراف المختلفة من أجل تنسيق جهود إزالة الأجسام المفخخة على خطوط التماس وحملات التوعية المتعلقة بمخاطر هذه الأجسام بين النازحين الداخلين العراقيين والمساعدات الإنسانية وجهود إعادة البناء. أهم نتيجة تم تحقيقها في هذا المجال هو اجتماع الأطراف المختلفة لتبادل الخبرات ولتطوير معايير إزالة ألغام تُستخدم في تدريب عدد أكبر من الجهات المحلية.
الجدير بالذكر أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قد أثنى على هذه المنهجية التي كان الاتحاد الأوروبي من روادها في العراق والتي ستُوظف الآن في سيناريوهات ما بعد الصراع في مناطق مختلفة من العالم.
تعليق على صورة: مواقع الألغام ومخلفات الحرب حسب المنطقة. الخريطة من إعداد برنامج إزالة الألغام من العراق
تعليق على صورة: العدد الأدنى من الإصابات التي أحدثتها داعش بين المدنيين في العراق منذ حزيران/ يونيو 2014. المصدر (بعثة الأمم المتحدة في العراق).
لقد تمكنت هيئة إزالة الألغام التابعة للأمم المتحدة خلال العام والنصف المُنصرم بفضل تنسيق الاتحاد الأوروبي بِمَسح وإزالة الألغام من أكثر من 1.8 مليون ميل مربع من الأراضي حول الفالوجة و 160 ألف ميل مربع حول الأنبار.
عَبَّرَ محمد من الموصل، وهو أحد طلاب جامعة الموصل، عن امتنانه العميق لإزالة الألغام من الجامعة وتمكنه من تحقيق حلمه في دراسة الطب ذات يوم قائلاً "أنا مُمتن لما يقوم به الاتحاد الأوروبي من جهود لتحقيق الأمان في مدينتي."
من بين النتائج التي حققها التنسيق الأفضل لاستخدام أموال الجهات المانحة، حيث أدت المساهمة الأولية للاتحاد الأوروبي البالغة أكثر من 16 مليون يورو إلى توليد 200 مليون دولار إضافية خلال عامين. وفي الوقت الذي يتم فيه تحرير المزيد من أرض العراق يتم تطبيق منهجية الاتحاد الأوروبي المُجَرَبَة الناجحة في إزالة الألغام بفعالية في العديد من المناطق. و لا يتم التركيز على المناطق السكنية في المدن فقط فيستطيع الآن المزارعون العراقيون والرعاة الذي يعيشون في المناطق الريفية النائية الفقيرة التي استهدفتها داعش في التجنيد العودة إلى أراضيهم وحصادهم وقطعان ماشيتهم.
*All pictures by Sean Sutton - MAG International